دعم المعلمين في سياقات الأزمات: ماذا تقول الأدلة؟

منشور
الموضوعات:
المعلمون - التنميه المهنيه
المعلمون - الاجور
المعلمون
الانجليزيه

يعمل المعلمون في سياقات الأزمات والنزوح في ظروف متنوعة، باختلاف مساراتهم المهنية وأوضاعهم القانونية. فسواء كانوا معلمين وطنيين، أو لاجئين، أو نازحين داخلياً، أو عائدين إلى ديارهم، قد يكونون مؤهلين رسمياً أو غير مؤهلين، وقد يعملون تحت إشراف حكومي أو تابع لمنظمات غير حكومية في المخيمات أو المستوطنات أو المجتمعات المضيفة.

وعلى الرغم من هذا التباين، يتقاسم المعلمون في سياقات التعليم في حالات الطوارئ والأزمات الممتدة (EiEPC) في تحديات عديدة؛ أبرزها اكتظاظ الفصول، وتعدد احتياجات المتعلمين اللغوية والنفسية والاجتماعية، ونقص المواد التعليمية، وضعف البنية التحتية، فضلاً عن تعرضهم هم أنفسهم لخطر العنف والنزوح.

لطالما وثّق مجتمع "التعليم في حالات الطوارئ" (EiE) التحديات المتكررة في إدارة المعلمين وسعى إلى معالجتها، لا سيما ما يتصل منها بالأجور والتطوير المهني. وتتناول الأبحاث الحديثة والمزمع صدورها ضمن برنامج "أبحاث التعليم في سياقات النزاع والأزمات الممتدة" (ERICC) هذه الجهود بعمق، من خلال تلخيص الأدلة المتاحة حول دورة إدارة المعلمين كاملة في السياقات المتأثرة بالأزمات.

وبالاستناد إلى هذه المراجعات، يستعرض هذا المقال أبرز الاتجاهات والتوترات وأفضل الممارسات في إدارة المعلمين ضمن سياقات التعليم في الطوارئ والأزمات الممتدة، كما يسلط الضوء على نقاط دخول عملية للسياسات والإجراءات البرامجية التي تعالج التحديات التي يواجهها المعلمون في تلك الظروف.

يُعدّ التشتّت سمةً بارزة في أنظمة إدارة المعلمين ضمن سياقات التعليم في حالات الطوارئ والأزمات الممتدة.

ففي هذه الظروف، تتكوّن المنظومات التعليمية غالباً من جهات فاعلة متعدّدة، تشمل الحكومات الوطنية، والمنظمات الإنسانية والتنموية، ومقدّمي الخدمات من القطاع الخاص، والجهات المحلية غير الحكومية. وغالباً ما يؤدي غياب التنسيق الفعّال بين هذه الأطراف إلى عدم الاتساق وتجزؤ الخدمات التعليمية؛ إذ تظهر تفاوتات واضحة في سياسات توظيف المعلمين، وإدارة القوى العاملة، وصرف الرواتب، وتوفير فرص التطوير المهني، كما توضح الأمثلة التالية:

تشير الأدلة بوجه عام إلى أن التشتت يُعدّ قيداً جوهرياً يؤثر في توظيف المعلمين وإدارتهم ودعمهم ضمن سياقات التعليم في حالات الطوارئ والأزمات الممتدة. وعليه، يجب أن تُراعى آثار العمل في ظل أنظمة مجزأة عند تصميم سياسات المعلمين، سواء بالعمل على مواءمة هذه النظم قدر الإمكان، أو بالتعامل بواقعية مع هذا التجزؤ حين يتعذر تحقيق تلك المواءمة.

على الرغم من التشتت، تشير الأدلة إلى نماذج واعدة لمبادرات تعمل ضمن الأنظمة الوطنية أو بالتنسيق معها.

وتشترك هذه المبادرات في اعتمادها على نهج مرن وأكثر شمولاً، وغالباً ما تُنفَّذ عبر شراكات متعددة الأطراف، مع التركيز على توظيف المعلمين من اللاجئين والنازحين، وتنويع الكوادر التعليمية، ومواءمة مسارات التأهيل مع الأنظمة والمؤسسات المعتمدة محلياً ووطنياً. وفيما يلي أبرز الأمثلة الواردة في هذا السياق:

  • التوظيف المرن للمعلمين النازحين: في مالي، مكنت سياسات وزارة التعليم بعد عام 2012، بالتعاون مع لجان إدارة المدارس، المعلمين النازحين من شغل وظائف تدريس مؤقتة في المجتمعات المضيفة، مما ضمن استمرارية العملية التعليمية خلال فترات النزوح.
  • دعم المعلمين اللاجئين كمساعدي تدريس: في بولندا، وظفت منظمات المجتمع المدني، بدعم من اليونيسف، لاجئين أوكرانيين ودربتهم لتقديم الدعم اللغوي والنفسي والاجتماعي للمتعلمين النازحين داخل المدارس العامة.
  • مسارات اعتماد المؤهلات المهنية: في تشاد، تتيح كليات إعداد المعلمين -بدعم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات غير حكومية- للمعلمين اللاجئين (معظمهم من السودان) الحصول على شهادات تدريس معترف بها وطنياً للمرحلتين الابتدائية والثانوية، فضلاً عن توفير منح دراسية تساهم في رفع كفاءتهم المهنية وتحسين رواتبهم في بعض الحالات. ويمكن تحقيق ذلك أيضاً عبر الوسائل الرقمية؛ فعلى الحدود التايلاندية الميانمارية، تعاونت مجتمعات اللاجئين والمهاجرين مع باحثين من المملكة المتحدة لتقديم دورات قصيرة عبر الإنترنت تؤهل المعلمين للالتحاق ببرنامج دولي معتمد للتطوير التربوي عن بُعد في جامعة لندن، مما يتيح لهم نيل مؤهلات معترف بها بتكلفة ميسرة.

ومع ذلك، تواجه هذه المبادرات تحديات؛ فآليات التوظيف المرن تعتمد غالباً على ترتيبات مؤقتة أو غير رسمية، مما يحد من الاستقرار الوظيفي والمزايا وفرص التطور المهني على المدى الطويل. وبالمثل، غالباً ما يُكلف المعلمون اللاجئون بمهامٍ تتجاوز أدوارهم كمعاونين تدريسيين دون أن يتلقى ذلك أجرٌ عادل، أو فرص تدريب كافية، أو مسارات واضحة للانتقال إلى وظائف تعليمية كاملة.

وبشكل عام، تشير الأدلة إلى أن سياسات إدارة المعلمين التي تتسم بالمرونة والشمولية قادرة على تعزيز الاستجابة السريعة وضمان استمرارية التعليم في أوقات الأزمات، لكنها قد تؤدي -في غياب الضمانات اللازمة- إلى تكريس التفاوتات وزيادة الأعباء المالية على المعلمين. 

توجد سياسات واعدة وتقدمية، لكنها غالباً ما تواجه تحديات في التنفيذ

حتى مع وجود سياسات شاملة للمعلمين، يظل التمويل عقبةً دائمةً أمام تطبيقها.  وتتضح هذه الفجوة في التجربة الماليزية؛ إذ أدخلت إصلاحات مدعومة من البنك الدولي عام 2017 نهجاً يعتمد على البيانات لتوزيع المعلمين، بمشاركة مديري المدارس والمجتمعات المحلية لتصنيف المدارس حسب موقعها الجغرافي، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر فقراً وإقرار بدلات لصعوبة المعيشة. ورغم نجاح هذا النهج في دعم اتخاذ القرارات القائمة على البيانات، إلا أن البدلات لم تُدفع بسبب قيود التمويل، مما يُظهر الفجوة بين تصميم السياسات والواقع في تنفيذها. وينطبق النمط نفسه على ولاية كادونا في نيجيريا، حيث واجهت سياسة توظيف وتوزيع واستبقاء المعلمين لعام 2019 عوائق مشابهة، تمثلت في ضعف أنظمة البيانات ونقص التمويل.

تُظهر هذه الأمثلة كيف تقلل صعوبات التنفيذ من فاعلية السياسات التعليمية في حالات الطوارئ والأزمات المستمرة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة لإجراء أبحاث تنفيذية تركز على أصوات المعلمين، وتستكشف بدائل لدعم تكاليف معيشتهم، لفهم العوامل التي تمكّن من تحقيق تأثير فعلي لهذه السياسات في سياقات النزاع والنزوح، وبأي تكلفة. 

على الرغم من استمرار القيود التمويلية، تُشير الأدلة إلى وجود مبادرات واعدة فيما يخص رواتب المعلمين

ففي سياقات النزاع والنزوح، يُعدّ تدني الرواتب - يليه مباشرةً غياب المزايا غير النقدية كالسكن والنقل - التحدي الأبرز في إدارة شؤون المعلمين وتحسين جودة التعليم، كما يُمثل العامل الرئيسي وراء ترك المهنة. وكما رأينا في تجارب سابقة، غالباً ما تتسم مستويات تعويض المعلمين في أوقات الأزمات بالتفاوت وانعدام العدالة.

ومع ذلك، تُبرز الأدلة عدداً من الممارسات الواعدة (مع بعض التحفظات) لضمان استدامة دفع رواتب المعلمين:

  • التعاون بين المانحين: في أفغانستان، نسّق صندوق ائتمان التعافي (ARTF)، الذي يديره البنك الدولي، تمويلاً مشتركاً لدعم حوافز المعلمين في برامج التعليم المجتمعي. وقد أسفر هذا الجهد عن توظيف أكثر من 5,000 معلم —38% منهم نساء— وتوفير فرص التعليم لأكثر من 160,000 طفل.
  • مواءمة الرواتب: في السودان، وقبيل اندلاع النزاع عام 2023، كان المعلمون اللاجئون المعتمدون من الوزارة الاتحادية يتقاضون رواتب مؤقتة وفق المعدلات الحكومية، وهو نهج وُثقت نماذج إيجابية له في أوغندا وولاية راخين بميانمار. ومع ذلك، أدت هذه المواءمة في السودان إلى خفض إجمالي الأجور، مما دفع المعلمين إلى ترك وظائفهم وأثار مخاوف أولياء الأمور بشأن تراجع جودة التعليم؛ وهو ما يؤكد أن مواءمة الرواتب دون توفير تمويل كافٍ قد تفضي إلى نتائج عكسية.
  • التمويل المباشر لرواتب المعلمين: بجانب مواءمة الأجور، قدم بعض المانحين دعماً مباشراً للمعلمين؛ إذ قدّم مشروع "IMPACT" الممول من الاتحاد الأوروبي في جنوب السودان حوافز ربع سنوية لنحو 30,000 معلم في المدارس الابتدائية بين عامي 2017 و2021. ورغم أن هذه الحوافز لم تكن كافية لتغطية كامل الدخل المطلوب، إلا أنها عززت حضور المعلمين ودافعيتهم واستمرارهم في العمل، لا سيما خلال جائحة كوفيد-19، وذلك بفضل آليات المساءلة المتمثلة في تتبع الحضور ونظام الموارد البشرية القائم على البيانات الحيوية (البيومتريك).

تشير الأدلة إلى ضرورة إيلاء أولوية أكبر لرواتب المعلمين ضمن تمويل العمل الإنساني والتنموي، وتعزيز التنسيق بين المانحين ووزارات التعليم والجهات المعنية لمواءمة أنظمة الدفع، مع تكثيف جهود المناصرة لتوفير بدلات تشمل صعوبة المعيشة، والسكن، والنقل. كما يُسهم ربط هذه الجهود بتحليلات سوق العمل في ضمان اقتراب مستويات التعويض من الأجر المعيشي العادل، بدلاً من الاعتماد على حلول مؤقتة.

وبشكل عام، يقدم هذا الرصيد من الأدلة مجموعة غنية من الممارسات الواعدة، وتحليلات الفجوات، ودراسات الحالة حول إدارة المعلمين في سياقات التعليم في حالات الطوارئ والأزمات الممتدة (EiEPC). ورغم أهمية الدروس المستخلصة من هذه التدخلات، ينبغي تكييفها بعناية مع كل سياق نزاع؛ نظراً لما تفرضه الديناميات السياسية والاقتصادية الفريدة من تأثيرات متباينة على الأنظمة التعليمية، وهياكل الحوكمة، وتجارب المعلمين. وعليه، فإن المقاربات التي تنجح في بيئة معينة تتطلب ملاءمة دقيقة عند تطبيقها في سياق آخر.

UKaid logo

وقد استندت هذه الاستنتاجات إلى أبحاث حديثة ومستقبلية ضمن برنامج (ERICC) حول إدارة المعلمين والتطوير المهني، ويمكن الاطلاع على التقارير الكاملة ودراسات إضافية عبر الرابط هنا.