"توطين" الاستجابات التعليمية في الأزمات: من الشعارات إلى تحوّلٍ جذري في موازين القوى

منشور
الموضوعات:
المواءمة
القطاع الانساني - التعليم
تمويل التعليم
الانجليزيه

نُشرت هذه المقالة للمرة الأولى على موقع ODI Global.

تهدف المساعدات الإنسانية إلى دعم المجتمعات المتضررة من النزاعات والأزمات، غير أنها تواجه انتقادات واسعة لكون عمليات صنع القرار وتخصيص الموارد فيها لا تزال منفصلة عن الاحتياجات الفعلية للمستفيدين.

قبل عقد من الزمن، تعهدت القمة العالمية للعمل الإنساني لعام 2016 واتفاق "الصفقة الكبرى" (Grand Bargain) بجعل العمل الإنساني "محلياً قدر الإمكان، ودولياً بالقدر الضروري". ورغم الخطوات التي اتُخذت لترجمة هذه الالتزامات إلى واقع، لا تزال اختلالات موازين القوى قائمة؛ مما جعل مصطلح "التوطين" أو "التجذر المحلي" محور نقاش متزايد، لا سيما مع استمرار تكراره في الخطابات دون إحداث تغييرات جوهرية ملموسة على أرض الواقع.

عند فحص تدفقات التمويل الإنساني لعام 2024، نجد أن الجهات المحلية لم تتلقَّ سوى 3.6% من إجمالي التمويل، وهي نسبة ضئيلة للغاية مقارنة بالهدف العالمي البالغ 25% الذي أُقِرَّ عام 2016. وفيما يتعلق بصندوق "التعليم لا ينتظر" (ECW)، استحوذت وكالات الأمم المتحدة على 59% من تمويله عام 2022، في حين لم تحصل المنظمات الوطنية غير الحكومية العاملة في قطاع التعليم إلا على أقل من 1% بشكل مباشر. ورغم إفادة الصندوق  "التعليم لا ينتظر" في السنة المالية 2023/2024 بأن 29% من تمويله وُجِّه "بأكثر الطرق المباشرة الممكنة"، إلا أن الجزء الأكبر منه استمر في المرور عبر وسطاء دوليين قبل أن يصل إلى الجهات المحلية على هيئة منح فرعية.

في ظل هذا الواقع، بات الوفاء بالوعد المتمثل في نقل السلطة إلى المجتمعات المحلية وجعلها محور الاستجابة الإنسانية أكثر صعوبة من أي وقت مضى؛ فمع تضاؤل التمويل، أصبحت المنظمات تركز على ضمان استمراريتها وبقائها، عوضاً عن توجيه الموارد والصلاحيات للجهات المحلية.

على الرغم من أن بطء التقدم قد يكون مُحبطاً، إلا أنه لا ينبغي أن يحجب حقيقة أثبتتها الأدلة على مدى سنوات: إن تقديم دعم مباشر للمجتمعات المحلية يُعد وسيلة عملية لمواجهة التحديات الراهنة في نظام المساعدات الإنسانية. فالتوطين يساهم في خفض تكاليف المعاملات، وتحسين الاستجابة للاحتياجات المحلية، وتعزيز قدرة الجهات الوطنية على مواصلة تقديم الخدمات واستدامتها بعد انسحاب الجهات الدولية.

لذا، نستعين بالأدلة المستجدة لتحديد المجالات التي تتيح تحقيق تقدم عملي؛ فقد خلصت المراجعة التركيبية الحديثة التي أجراها  «برنامج البحث التربوي في النزاعات والأزمات الممتدة» (ERICC)، والتي شملت 28 دراسة في سبع دول هي: بنغلاديش، والأردن، ولبنان، وميانمار، ونيجيريا، وجنوب السودان، وسوريا- إلى تحديد أربعة مجالات يمكن للجهات الفاعلة الإنسانية من خلالها تعزيز توطين الاستجابة التعليمية، حتى في ظل تراجع التمويل الإنساني.

على قطاع العمل الإنساني الاعتراف بمبادرات التعليم التي تقودها المجتمعات المحلية والتفاعل معها.

تواصل المجتمعات المحلية والأسر جهودها وابتكار حلول مستمرة لضمان استمرارية التعليم، حتى في ظل النزوح الناجم عن النزاعات أو الأزمات المناخية. ففي الأردن، تعاونت المدارس مع الأسر لتصميم استراتيجيات منخفضة التكلفة للحد من تسرب الطلبة. وفي لبنان، حشدت المجتمعات المحلية مواردها لإنشاء مساحات تعلّم غير رسمية، وتوفير وسائل نقل مجانية، وتقديم خدمات الدعم النفسي والاجتماعي. أما في نيجيريا، فقد بادرت المجتمعات العائدة من مخيمات النزوح إلى توظيف معلمين متطوعين وتأمين أجورهم لضمان بقاء الأطفال في مقاعد الدراسة. وتؤدي الأنظمة التعليمية غير الحكومية التي تقودها جهات محلية دوراً محورياً في تلبية احتياجات المتضررين من الأزمات، ومن أمثلتها: الأنظمة التعليمية الدينية في «كوكس بازار»، وأنظمة التعليم القائمة على المجموعات العرقية في ميانمار، ومدارس القطاع الخاص منخفضة التكلفة في لبنان. وقد أثبتت المبادرات المجتمعية والعمل الجماعي في هذه السياقات فاعلية أكبر بكثير من جهود الدولة والمنظمات الإنسانية، لا سيما من حيث سرعة الاستجابة، والمرونة، والقدرة على الوصول إلى الفئات الأكثر تضرراً.

إذا أُعيد تعريف «التوطين» ليتحول من مجرد إدماج الجهات المحلية في هياكل إنسانية تقودها أطراف خارجية إلى دعمٍ للجهود التي تبادر بها تلك الجهات، فإن المبادرات المحلية —رغم ما قد يعتريها من محددات وقد لا تكون مثالية— ستُعزز بدلاً من أن تُقوَّض أو تُستبدل بأنظمة موازية. ولتحقيق ذلك، ينبغي للجهات الفاعلة في العمل الإنساني وضع مبادئ واضحة للتعامل مع المبادرات المحلية غير الحكومية، والعمل على دمجها ضمن عمليات التخطيط لقطاع التعليم.

ينبغي للجهات المانحة إعطاء الأولوية لتوجيه التمويل عبر آليات وطنية ومحلية القيادة.

أظهرت دراسات  «برنامج البحث التربوي في النزاعات والأزمات الممتدة» (ERICC) أن التمويل الإنساني غالباً ما يتسم بالتجزئة، وقصر الأجل، والتنافسية، مما يحدّ من كفاءة الخدمات التعليمية واستدامتها. ويتجلى ذلك بوضوح في برامج تعليم المجتمعات الرعوية في جنوب السودان؛ إذ تسبّب تمرير التمويل عبر المنظمات الدولية -التي تتخذ من العاصمة مقراً لها- في تأخير وصول الموارد، وتعطّل صرف مستحقات المعلمين، وتراجع ثقة المجتمعات المحلية، وانقطاع الخدمات التعليمية. في المقابل، أثبتت آليات تقديم الخدمات التعليمية التي تُدار محلياً وترتبط وثيقاً بالمجتمع أنها أكثر كفاءة واستجابة واستدامة، رغم محدودية مواردها. وعليه، ينبغي توجيه التمويل -حيثما أمكن- عبر آليات وسيطة تقودها جهات وطنية ومحلية بدلاً من المنظمات الدولية، وذلك لدعم القدرات المحلية في التخطيط، ورصد النتائج، وتكييف الخدمات التعليمية بما يلائم احتياجات المجتمعات. وتشير الأدلة إلى بدء ظهور هذا التحول فعلياً، وتبرز نماذج واعدة في هذا السياق؛ مثل "صندوق التضامن المجتمعي (أبوت-كاماى)" في الفلبين، و"منظمة نداء التنمية السودانية".

ينبغي استحداث حوافز تعزز أولوية المساءلة تجاه المجتمعات المتضررة، بدلاً من حصرها في المساءلة أحادية الاتجاه تجاه المانحين والجهات الدولية الوسيطة

تحدّ هياكل الحوافز الحالية في قطاع المساعدات من دور المنظمات المحلية في الأزمات الممتدة، إذ تحصرها في دور المنفذ الثانوي للبرامج، مما يهمّش أدوارها الجوهرية في تمثيل المجتمعات المتضررة في الخطوط الأمامية وضمان المساءلة أمامها (Homonchuk et al.، قيد النشر). إن التحول الحقيقي في موازين القوى يستوجب الاعتراف بأن الجهات الفاعلة المحلية تضطلع بأدوار تتجاوز التنفيذ، ويتطلب دعمها في مجالات المناصرة والمساءلة، بما يمكنها من محاسبة السلطات والجهات الخارجية أمام المتعلّمين المتأثرين بالنزاعات. ولتحقيق هذا التحول، لا بد من تجاوز «ثقافة الامتثال» نحو الاستثمار في منظومة من الجهات الفاعلة القائمة على المساءلة المتبادلة، مع تعزيز قدرات منظمات المجتمع المدني في الجوانب الفنية والمناصرة، لتمكينها من قيادة الحوارات المتعلقة بالاستجابة التعليمية.

تُعد نظم بيانات التعليم في حالات الطوارئ نموذجاً لهذا النهج؛ إذ تُوجَّه معظم تقارير البيانات نحو المستويات الإدارية العليا لتلبية متطلبات المانحين والسلطات المركزية. فعلى سبيل المثال، في شمال شرق نيجيريا، وبعد أن يرفع العاملون في قطاع التعليم التقارير المتعلقة بالحضور والبنية التحتية، نادراً ما تتاح لهم فرصة الوصول إلى البيانات المجمّعة أو الاستفادة منها لتحسين الخدمات التعليمية. وفي هذا السياق، يقتضي "التوطين" إنشاء تدفقات تبادلية للبيانات، تضمن حصول الأطراف الفاعلة محلياً على جزءٍ من البيانات التي تجمعها، لتوظيفها في تطوير الإدارة المدرسية اليومية وتعزيز جودة التعليم.

ينبغي أن تقوم "الشراكات المتكافئة" على مبادئ الاحترام المتبادل، والتكاتف، والشفافية

يتطلب التوطين في جوهره بناء علاقات قائمة على ثقة حقيقية ومتبادلة (Akogun et al.، قيد النشر). ومع ذلك، تتسم ديناميكيات قطاع التعليم في العديد من سياقات النزاع الممتدة، ومنها لبنان، بانعدام متبادل للثقة بين المسؤولين الحكوميين، والجهات المانحة، والوكالات الأجنبية المنفذة، ومنظمات المجتمع المدني. وقد أدت هذه الديناميكيات أحياناً إلى إضعاف الاستجابات القطاعية عبر تقويض الشفافية، ودفع الجهات الخارجية لفرض برامج ذات جداول زمنية غير واقعية، ومتطلبات لا تتناسب مع القدرات المحلية أو سياق العمل، ومؤشرات أداء غير ملائمة. ورغم أن أهمية الاحترام والثقة قد تبدو بديهية، إلا أن القطاع لا يزال يواجه واقعاً لا تعترف فيه العديد من الجهات الفاعلة في دول الشمال العالمي بوجود هذه المشكلة من الأساس. وتشير الأدلة المستقاة من  «برنامج البحث التربوي في النزاعات والأزمات الممتدة» (ERICC) إلى أن الشراكات المتكافئة القائمة على الثقة تتطلب مرونة ووقتاً أطول لتطوير حلول فعّالة وملائمة محلياً (Akogun et al.، قيد النشر)، مقارنة بما تسمح به "النزعة قصيرة الأجل" التي تهيمن حالياً على العمل الإنساني.

يتطلب تحقيق التوطين تحولاً في نمط التفكير

تُبيّن الأدلة المستقاة من «برنامج البحث التربوي في النزاعات والأزمات الممتدة» (ERICC) أن المجتمعات المتأثرة بالنزاعات تبادر بحشد مواردها المحدودة لتلبية احتياجات التعلّم التي تغفل عنها الخدمات الحكومية أو المساعدات الإنسانية في الغالب. ويُعدّ تهميش هذه المجتمعات وعدم إشراكها بصفة منهجية في جهود التعليم المدعومة دولياً «فرصةً مهدرةً» بامتياز. وفي نهاية المطاف، فإن أي مسعى جاد لتحقيق «التوطين» وتعزيز فعالية المساعدات وأثرها، يتطلب قبل كل شيء تغيير العقليات السائدة والثقافة المؤسسية في قطاع العمل الإنساني، وإعادة النظر في موازين القوى الراسخة التي تحكم طبيعة العلاقات بين الجهات الدولية والمحلية.

يتعين على قطاع التعليم، في إطار إعادة تصور مفهومي القوة والقدرة، أن يضع المجتمعات المحلية في صلب اهتماماته، وأن يعتبر العمل المحلي ركيزةً أساسية لتعزيز صمود النظم التعليمية، وذلك عبر توجيه المساعدات لدعم مبادرات التعلّم التي تقودها الجهات المحلية.

مول هذا المنشور بدعم من المساعدات الدولية للتنمية التابعة لحكومة المملكة المتحدة. وتُعبّر الآراء والنتائج والاستنتاجات الواردة فيه عن وجهة نظر المؤلفين وحدهم، ولا تعكس بالضرورة سياسات حكومة المملكة المتحدة، أو آراء  «برنامج البحث التربوي في النزاعات والأزمات الممتدة» (ERICC)، أو المؤسسات التي ينتمي إليها المؤلفون.

وقد نظمت "الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ" (INEE) ندوة إلكترونية في ديسمبر/كانون الأول 2025 لمناقشة الموضوعات الرئيسية ونتائج هذا البحث. ويمكن الاطلاع على تسجيل الندوة والعرض التقديمي والملخص البحثي من خلال هذا الرابط.