التوطين ومستقبل التعليم في حالات الطوارئ: تأملات مركزي الإتصال في الآيني

منشور
الموضوعات:
المواءمة

في 28 مايو 2025، نظّمتُ لقاءً افتراضيًا لمجتمع الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ في إيطاليا، بعنوان: "ما بعد التعليم في حالات الطوارئ؟ من منظور بلد مانح". شكّل هذا اللقاء جزءًا من سلسلة فعاليات عالمية أطلقتها الشبكة لخلق مساحات للتفكير الاستراتيجي في مستقبل قطاع التعليم في حالات الطوارئ، في ظل التحوّلات المتسارعة في مشهد تمويل التعليم في حالات الطوارئ، وتزايد الدعوات لإحداث تحوّل جذري في هذا القطاع.

جمعت الجلسة طيفًا غنيًا من المشاركين (ات) – من ممارسين (ات) في المجال الإنساني وموظفي منظمات غير حكومية دولية، إلى مسؤولين حكوميين وأكاديميين – وكان العديد منهم من أصحاب الروابط المباشرة بإيطاليا وبالمناطق المتأثرة بالأزمات على حد سواء. دُعي المشاركون إلى التفكير النقدي في الدور المتغير للتعليم في حالات الطوارئ، في سياق تقلّب الأولويات الجيوسياسية وتراجع ميزانيات المانحين.

قمت بتيسير الجلسة، لم أكن أتوقع حجم التعقيد المهني والوجداني الذي ستحمله المناقشات. وفّرت ورشة العمل مساحة نادرة للتأمل في خطاب "التوطين"، وبنية المساعدات الآخذة في التغيّر، وحدود المنظومة القائمة في مواجهة تحديات الواقع المتبدّل. لم يكن النقاش تقنيًا فحسب؛ بل كان أيضًا نقاشًا حول الهوية، والشرعية، والغاية. ما الذي يعنيه دعم تعليم جيد في حالات الطوارئ حين تتقلص النماذج التمويلية التقليدية؟ من يمتلك المعرفة؟ من يحدد الأولويات؟ ومن يملك الشرعية لفرض الجداول الزمنية والأساليب؟ ثمّة سؤال محوري ظل حاضرًا: ما الدور الذي يمكن أن تضطلع به الشبكات مثل الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ لجعل التوطين ممارسة حقيقية، لا مجرد التزام نظري أو سياسي؟ ورغم أن الجلسة لم تتجاوز الساعة، فقد حملت في طياتها حوارًا عميقًا، فتح آفاقًا جديدة للتفكير والعمل.

التوطين في الممارسة: ما وراء الشعارات

شكّل مفهوم "التوطين" محورًا متكررًا في الجلسة، لكنه لم يكن دائمًا مصحوبًا بفهم موحّد. بالنسبة للبعض، اقترن المصطلح بتحويل الموارد المالية إلى مواقع اتخاذ القرار. وبالنسبة لآخرين، ارتبط بمفاهيم الشرعية، والوكالة، والحق في القيادة.

وقد برز سؤال جوهري: كيف يبدو التوطين على أرض الواقع، خصوصًا في سياقات الدول التي تقدم التمويل، والتي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل أجندة التعليم في حالات الطوارئ عالميًا؟ اتفق المشاركون على أن التوطين لا ينبغي أن يقتصر على مشاركة رمزية أو شكلية. فالتوطين الهادف يتطلب دمج القيادة المحلية بشكل فعلي في عمليات التخطيط، والحوكمة، والمساءلة، منذ المراحل الأولى لأي تدخل أو مبادرة.

أحد المشاركين لفت الانتباه إلى الخلط الشائع بين التوطين وبين مجرد تفويض المسؤوليات المالية للجهات المحلية، دون أن يصاحبه استثمار حقيقي في بناء القدرات المؤسسية لهذه الجهات. وساد شعور مشترك بأن القطاع يشهد ما وصفه البعض بـ**"توطين افتراضي متسارع"** – حيث تؤدي الضغوط المالية الدولية إلى دفع مزيد من المسؤوليات نحو الفاعلين المحليين، دون توفير الموارد، أو التخطيط، أو الدعم اللازم.

رأى العديد أن هذا التحول يحدث بشكل غير مقصود نتيجة الانكماش المالي العالمي، وليس كجزء من إصلاح استراتيجي مدروس. وبهذا، يُخشى أن يتحول "التوطين" من فرصة للتمكين إلى عبء غير عادل على الشركاء المحليين الذين يعانون من نقص الموارد. لذا، شدد المشاركون على أن التوطين الحقيقي يجب أن يكون نهجًا عمليًا، منصفًا، ومبنيًا على الاحتياجات المحلية – يتكيف مع القدرات والسياقات المختلفة، ويقوم على التزام طويل الأمد من قبل المانحين والشركاء الدوليين.

عبور المرحلة الانتقالية: بين الاضطراب والتكيّف

يتسم مشهد التمويل الراهن بالتقلّب، والتخفيضات، وإعادة ترتيب الأولويات، مما يُنتج حالة من عدم اليقين المستمر. وقد شارك المشاركون في الجلسة تجاربهم في التكيّف – على المستويين الاستراتيجي والعاطفي – مع تداعيات تخفيض التمويل من قبل الجهات المانحة. أشار بعضهم إلى عمليات إعادة هيكلة داخلية، مثل حالة قامت فيها منظمة غير حكومية دولية بدمج محفظتي التعليم في حالات الطوارئ والتعليم الأساسي في برنامج أوسع لتقليل التكاليف. بينما تحدّث آخرون عن إطلاق نداءات طارئة لمجرد الحفاظ على ما هو قائم. في المقابل، بادر عدد محدود من المشاركين إلى تجريب نماذج جديدة للمشاركة، منها استجابات تعليمية أكثر شمولية تتقاطع مع قطاعات كالتغذية والحماية.

ما لفت انتباهي بشدة هو الشعور العام بحالة "التوقّف المؤقت" – كأن الجميع يحبس أنفاسه. صحيح أن التكيّف جارٍ، لكن ثمة خشية مما قد يُفقد في هذا المسار: شراكات طويلة الأمد، برامج نوعية، أو ببساطة المساحة اللازمة للتفكير والتخطيط بعيد المدى. وفي ظل هذا المشهد المتغير، شدد المشاركون على الحاجة الماسّة إلى مساحات هادفة وآمنة يمكن للجهات الفاعلة من خلالها إعادة التواصل مع مهامها، وتبادل الخبرات، وتحويل التفكير التحليلي إلى تعاون عملي ملموس.  أحد الأمثلة الملهمة التي طُرحت تمثّل في إنشاء فرق مخصصة لدعم المنظمات المحلية بطرق أكثر فاعلية – من خلال تبسيط عمليات تقديم المنح، وتوفير توجيهات مصمّمة بحسب السياق المحلي أثناء تنفيذ البرامج. هذا النوع من الدعم المندمج لا يسهم فقط في إزالة العوائق الهيكلية، بل يشكّل أيضًا أساسًا لبناء شراكات أكثر توازنًا وإنصافًا وفعالية على المدى البعيد.

إعادة التفكير في "بناء القدرات": هل المشكلة في القدرات أم في النظام؟

عندما نتحدث عن "القدرات المحلية"، غالبًا ما ننزلق تلقائيًا إلى السردية الشائعة بأن الجهات الفاعلة المحلية "بحاجة إلى بناء مزيد من القدرات". لكن، ماذا لو كانت المشكلة الحقيقية تكمن ليس في نقص القدرات، بل في فشل النظام في الاعتراف بالقدرات الموجودة، والثقة بها، ودعمها؟

خلال النقاش، أشار العديد من المشاركين إلى أن أنظمة إنتاج المعرفة ونقلها لا تزال في الغالب أحادية الاتجاه، وموجهة من الخارج. وأكدوا أن البيانات والمعرفة المحلية غالبًا ما تفشل في الوصول إلى المستويات العليا بطرق تُؤثّر فعليًا على صنع القرار. كما أُثيرت ملاحظات حول ضعف آليات التغذية الراجعة، وعزل الخبرات الفنية داخل الوكالات الدولية، ما يُبقي القيادة المحلية في موقع المتلقّي بدلاً من الشريك الفاعل.

انبثقت عن هذه الملاحظات أسئلة جوهرية: هل المتطوعون والجهات الفاعلة المحلية في موقع أفضل للقيادة في بعض السياقات؟ غالبًا نعم. لكن، هل يتم تعزيز وكالتهم؟ هل تساهم رؤاهم وتحليلاتهم في تشكيل الاستراتيجيات، وتخصيص الميزانيات، وتحديد الجداول الزمنية؟ في كثير من الحالات، الإجابة لا تزال: لا.

وقد قاد ذلك إلى نقاش أعمق حول معنى تطوير القيادة المحلية. فالمطلوب ليس مجرد تدريب تقني أو نقل مهارات، بل إعادة توزيع حقيقية للسلطة، ودمجٌ فعلي للجهات الفاعلة المحلية ضمن عمليات الحوكمة وصنع القرار. وكما أشار المشاركون، ينبغي أن يتحول التركيز من "بناء القدرات من الخارج" إلى تصميم أنظمة تمكّن المعرفة المحلية من قيادة التغيير، وتمنح الفاعلين المحليين المساحة والشرعية لممارسة دورهم القيادي.

دور الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ: من حلقة وصل إلى قوة تمكين

أحد أكثر محاور النقاش حيوية في الجلسة كان الاعتراف الجماعي بالدور الفريد الذي يمكن أن تلعبه الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في حالات الطوارئ، ليس فقط كجهة تنسيق، بل كقوة دافعة نحو تمكين تبادل المعرفة وتعزيز القيادة المحلية.

دعا المشاركون إلى أن تركز الشبكة على تيسير نظم معرفة أفقية – منصات تعترف بالخبرات المحلية وتمنحها الأولوية، خاصة في تناول الثغرات التقنية الحرجة مثل نماذج إعداد الميزانيات، تنويع مصادر التمويل، وحوكمة البرامج. وبدلًا من الاقتصار على المفهوم التقليدي لبناء القدرات (من "العالمي" إلى "المحلي")، شدد المشاركون على أهمية التعلم ثنائي الاتجاه. أي أن تتاح للجهات المحلية فرصة المشاركة النشطة في صياغة المعايير الفنية، وأطر البرامج، وآليات التمويل، لا أن تُعامل كمجرد منفذة أو متلقية.

في هذا السياق، يتمثل الدور الحقيقي والتميّزي للشبكة في تعزيز نظم التعلم المتبادل، وليس مجرد نقل المعرفة من "المركز" إلى "الأطراف". فبناء قطاع تعليم في حالات الطوارئ أكثر عدلاً وفعالية يتطلّب الاعتراف بأن الخبرات المحلية ليست فقط صالحة، بل يجب أن تكون موجّهة للأولويات القطاعية ذاتها.

تأملات ختامية: الإبحار وسط عدم اليقين، بوصلة الغرض

تيسيري لجلسة ما بعد التعليم في حالات الطوارئ؟ في إيطاليا، أعاد تذكيري بالتوترات العميقة التي نعانيها داخل قطاع التعليم الإنساني. نريد أن نتحرك بوتيرة أسرع، لكننا نريد أيضًا أن نتحرّك بعدالة. نطمح إلى إعادة توزيع السلطة، لكننا متمسكون بالأنظمة التي نعرفها. ندعو إلى التوطين، ومع ذلك نواجه صعوبة في التخلي عن السيطرة. هذه ليست تناقضات قابلة للحل السريع، بل حقائق معيشة نحتاج إلى التعامل معها بوعي وشجاعة.

في إحدى غرف الاستراحة، حاولنا تخيّل قطاع جديد للتعليم في حالات الطوارئ – قطاع لا تحدّه رواسب استعمارية، ولا تأسره حدود منطق الطوارئ الدائم. لكن هذا التمرين كان أصعب مما بدا. وجد المشاركون أنفسهم يعودون مرارًا إلى الواقع، يترددون عند عتبات المستقبل. وربما كان في ذلك دلالة صادقة: لعلنا ما زلنا منغمسين في الأنظمة التي نرغب في تغييرها، أو ربما نحن ببساطة بحاجة إلى المزيد من المساحات – مثل هذه الجلسة – لنتخيّل هذا المستقبل معًا، محادثة بعد أخرى.

لأن ما ينبغي أن نعمل من أجله في التعليم في حالات الطوارئ لا يقتصر على النجاة من تخفيضات التمويل، بل يتطلّب منا أن نُعيد تخيّل القطاع نفسه – أن نعيد رسم غايته، وشكله، ومن يقوده.